السيد حيدر الآملي
130
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
المأمور به من إبلاغ الرسالة ، ويعضد ذلك حال موسى عليه السّلام حيث قال : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] . لأنّ ذلك كان من اقتضاء البشريّة والطبيعة الحيوانيّة ، وإلَّا كلَّم اللَّه موسى تكليما في حال التجرّد والمناسبة الحقيقيّة ، شاهد عدل لأنّه في ذلك الوقت تكلَّم مع اللَّه تعالى وما حصل له هذه الحالة حتّى قال تعالى له : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ طه : 12 ] . وقال : إِنِّي أَنَا اللَّه ُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ القصص : 30 ] . وقطَّ ما تغيّر من حاله وكان يتكلَّم حتى قال في جواب كلام واحد كم من كلام وهو قوله تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [ طه : 17 - 18 ] . وكذلك نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله ليلة المعراج الَّذي هو الانسلاخ عن عالم البشريّة حيث قال تعالى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ِ ما أَوْحى [ النجم : 10 ] . ( شرف الإنسان الكامل على الملائكة ) فان ذلك كان في حال التجرّد والمناسبة الذاتيّة من غير واسطة ملك أو جبرئيل ، وورد أنّه أوحى إليه تعالى ( 71 ) ثلاثين ألف خبر أو أكثر في
--> ( 71 ) قوله : ورد أنّه أوحى إليه تعالى . نقول : تدلّ عليه غير واحد من الآيات والروايات التالية وغيرها : قوله تعالى : * ( فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) * [ النجم : 10 - 11 ] . وقوله تعالى : * ( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّه ِ الْكُبْرى ) * [ النجم : 17 - 18 ] . وأما من الروايات : روى الصدوق في كتابه « علل الشرائع » باب 112 علة المعراج ص 131 الحديث 1 بإسناده عن ثابت بن دينار قال : سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام عن اللَّه جلّ جلاله هل يوصف بمكان ، فقال : « تعالى عن ذلك » ، قلت فلما أسرى بنبيّه محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله إلى السماء ؟ قال : « ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه » ، قلت : فقول اللَّه عز وجلّ : * ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) * [ النجم : 9 - 8 ] . قال : « ذاك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله دنا من حجب النور ، فرأى ملكوت السماوات ، ثمّ تدلَّى صلَّى اللَّه عليه وآله فنظر تحته إلى ملكوت الأرض حتّى ظنّ أنّه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى » . وروى أيضا في نفس المصدر ص 132 الحديث 2 وفي كتابه « التوحيد » باب نفي الزمان والمكان عن اللَّه عزّ وجلّ ص 175 الحديث 5 بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام : لأي علَّة عرج اللَّه بنبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله إلى السماء ، ومنها إلى سدرة المنتهى ، ومنها إلى حجب النور ، وخاطبه وناجاه هناك واللَّه لا يوصف بمكان ؟ فقال عليه السّلام : « إنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ولا يجري عليه زمان ، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرف به ملائكته وسكّان سماواته ، ويكرمهم بمشاهدته ، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه ، وليس ذلك على ما يقول المشبّهون ، سبحان اللَّه وتعالى عمّا يصفون ، ( عمّا يشركون ) » . وعنهما « بحار الأنوار » ج 18 ص 348 الحديث 57 و 59 .